هل يرتفع سعر الذهب مع كل صراع عالمي؟ شرح مبسط
«الذهب يرتفع دائمًا وقت الحروب»، جملة يرددها كثيرون كحقيقة مطلقة، وهي في جوهرها ليست خاطئة تمامًا، لكنها أبسط بكثير من الواقع الفعلي. الذهب يُعرف تاريخيًا بأنه «ملاذ آمن»، أي أصل يلجأ إليه المستثمرون عند اهتزاز الثقة في الأصول الأخرى كالأسهم أو العملات. لكن كلمة «دائمًا» هي بالضبط ما يحتاج إلى تصحيح، لأن السوق أثبت أكثر من مرة أن العلاقة بين الصراعات وسعر الذهب أعقد بكثير من معادلة بسيطة تقول إن كل رصاصة تعني ارتفاعًا في السعر.
لنبدأ بالآلية التي تجعل الذهب يرتفع فعلاً في أغلب الأحيان: حين يندلع صراع كبير أو تتصاعد التوترات الجيوسياسية، يميل المستثمرون لسحب أموالهم من الأصول الأكثر مخاطرة، كالأسهم، والتوجه نحو أصول تحافظ على قيمتها في أوقات عدم اليقين. الذهب، على عكس الأسهم أو السندات، لا يعتمد على أداء أي شركة أو حكومة بعينها، ولا يحمل مخاطر «طرف مقابل»، ما يجعله خيارًا طبيعيًا في هذه اللحظات. وقد شهد العالم أمثلة واضحة على هذا النمط: مع تصاعد الحرب الروسية الأوكرانية، ثم الحرب بين إسرائيل و«حماس» و«حزب الله»، ارتفعت أسعار الذهب بشكل لافت، ووصلت التوقعات في تلك الفترة، بحسب تقرير بحثي لبنك جولدمان ساكس، إلى احتمال تجاوز الأوقية مستوى 3 آلاف دولار بحلول مطلع 2025، وهو ما تحقق بالفعل وتجاوزته الأسعار لاحقًا بمسافة كبيرة.
لكن عام 2026 قدّم مثالاً معاكسًا تمامًا يستحق التوقف عنده. فمع اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، توقع معظم المتداولين قفزة تاريخية جديدة في سعر الذهب، تمامًا كما حدث في أزمات سابقة. لكن ما حدث كان شبه معاكس: ارتفع الذهب قليلاً في البداية، ثم دخل في تذبذب، ثم بدأ يتراجع رغم استمرار الصراع العسكري الفعلي على الأرض دون أي مؤشر واضح على انتهاء وشيك. حاول محللون تفسير هذه الظاهرة التي حيّرت السوق، وخلصوا إلى أن السبب الأساسي كان الدولار الأمريكي نفسه: تقوّى الدولار في تلك الفترة تحديدًا، مدفوعًا بتراجع الرهانات على تيسير نقدي من الفيدرالي الأمريكي، والدولار القوي يضغط تاريخيًا على الذهب لأنه مُسعَّر به عالميًا. بعبارة أخرى، تنافس الدولار والذهب على دور «الملاذ الآمن» في اللحظة نفسها، وانتصر الدولار هذه المرة تحديدًا.
هناك تفسير آخر لا يقل أهمية، وهو مفهوم «المفاجأة» مقابل «التوقع». الأسواق المالية لا تتفاعل بقوة مع الأخبار بحد ذاتها، بل مع الفارق بين ما كان متوقعًا وما حدث فعليًا. فبحلول لحظة اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة عام 2026، كانت التوترات بين الأطراف قد تصاعدت تدريجيًا لأسابيع، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من هذا السيناريو كان قد «سُعِّر» بالفعل في السوق مسبقًا، فلم يكن اندلاع المواجهة نفسها مفاجأة كاملة تستدعي موجة شراء ذعر جديدة بالحجم المتوقع.
عامل ثالث يفسر لماذا قد يتراجع الذهب أحيانًا حتى في قلب أزمة حقيقية: السيولة. حين تنهار الأسواق أو تتصاعد المخاطر بشكل حاد، يضطر بعض المستثمرين والمؤسسات لبيع أصول لتغطية خسائر أو التزامات في مكان آخر من محفظتهم، ولأن الذهب من أكثر الأصول سيولة وسهولة في البيع السريع، فإنه يصبح أحيانًا من أوائل ما يُباع لتوفير سيولة عاجلة، حتى لو كان المستثمر نفسه يثق في قيمته على المدى الطويل. هذه الظاهرة تتكرر في كثير من الأزمات المالية، لا الجيوسياسية فقط.
وهناك أيضًا بُعد زمني طويل المدى يستحق الذكر: بعض الحروب تاريخيًا لم يرتفع فيها الذهب إلا بعد انتهائها، لا خلالها. فخلال حرب فيتنام تحديدًا، انهار سعر الذهب فعليًا أثناء سنوات الحرب نفسها بسبب رفع الفائدة الأمريكية بشكل حاد لتمويل المجهود الحربي واحتواء التضخم، لكنه ارتفع لاحقًا أكثر من عشرة أضعاف بعد انتهاء الحرب، حين ظهرت الفاتورة الاقتصادية الكاملة للصراع: تضخم متراكم، دين حكومي متصاعد، وتآكل تدريجي في الثقة بالنظام النقدي القائم على الدولار في تلك الحقبة.
الخلاصة العملية من كل هذا: الصراعات العالمية تدفع الذهب للارتفاع في الغالبية العظمى من الحالات، وهذا نمط تاريخي حقيقي وموثق جيدًا، لكنه ليس قانونًا رياضيًا صارمًا. النتيجة الفعلية في كل مرة تعتمد على عوامل مرافقة لا تقل أهمية عن الصراع نفسه: هل كان متوقعًا أم مفاجئًا؟ ماذا يفعل الدولار في اللحظة نفسها؟ هل تحتاج الأسواق لسيولة عاجلة من مكان آخر؟ وهل الأثر الاقتصادي الحقيقي للصراع سيظهر فورًا أم بعد سنوات؟ من يفهم هذه الطبقة الأعمق من التحليل، بدلًا من الاكتفاء بقاعدة «الحرب تعني ذهبًا أغلى» كحقيقة تلقائية، يكون أقرب لفهم ما يحدث فعلاً في السوق، لا ما يُفترض أنه يجب أن يحدث.
تجدر الإشارة أيضًا إلى أن نوع الصراع نفسه يصنع فارقًا كبيرًا في حجم الأثر. الصراعات التي تهدد بشكل مباشر خطوط إمداد الطاقة أو التجارة العالمية، كالتهديدات المتكررة بإغلاق مضيق هرمز خلال توترات الشرق الأوسط الأخيرة، تحمل أثرًا مضاعفًا لا يقتصر على الذهب فقط، بل يمتد إلى أسعار النفط والفضة معًا، نظرًا لاستخدامات الفضة الصناعية الواسعة في الإلكترونيات والطاقة الشمسية. فحين اقتربت أسعار الفضة من حاجز 100 دولار للأوقية، وهو مستوى نفسي مهم يقترب من الرقم القياسي التاريخي المسجل عند نحو 121 دولارًا، كان التهديد بتعطل سلاسل الإمداد عاملاً رئيسيًا وراء ذلك، وليس فقط الطلب على الملاذ الآمن التقليدي كما هو الحال مع الذهب. أما الصراعات المحدودة جغرافيًا وبعيدة عن ممرات الطاقة أو التجارة الحيوية، فأثرها على أسعار الذهب عادة أضعف وأقصر أمدًا بكثير.
بالنسبة لأي مصري يتابع الأخبار العالمية ويتساءل عمّا إذا كان ينبغي عليه شراء ذهب فور سماع خبر عن نزاع جديد، الدرس العملي هنا واضح: رد الفعل الفوري والمندفع نادرًا ما يكون القرار الأفضل، لأن جزءًا كبيرًا من الارتفاع المتوقع غالبًا ما يكون قد حدث بالفعل في الساعات الأولى من انتشار الخبر، قبل أن يتاح للمدخر العادي وقت لاتخاذ قرار مدروس. المتابعة الهادئة لتطورات الصراع، وربطها بحركة الدولار والسيولة العالمية في الوقت نفسه، تظل أكثر فائدة من محاولة توقع اتجاه السعر بناءً على عنوان إخباري واحد فقط.