نهاية الهيمنة المطلقة: هل يفقد الدولار الأمريكي عرشه الاقتصادي العالمي؟
يواجه الدولار الأمريكي اليوم أعنف اختبار لهيبته ومكانته القيادية منذ اتفاقية بريتون وودز التي أرست قواعد النظام المالي العالمي الحديث، حيث تزايدت النقاشات والمخاوف بين الأوساط الاقتصادية الدولية حول مدى قدرة الورقة الخضراء على احتكار المشهد التجاري وحفظ مكانتها كعملة احتياطية رئيسية للبنوك المركزية حول العالم، فرغم أن الدولار لا يزال يسيطر على حصة الأسد من التسويات التجارية الدولية وتسعير المواد الخام كالنفط والغاز، إلا أن العقوبات المالية العنيفة وتجميد الأصول السيادية التي مارستها واشنطن ضد بعض الدول أرسلت إشارات تحذيرية شديدة الصعوبة للعواصم الاقتصادية، مما دفع العديد من القوى الناشئة إلى البحث الجدي عن مسارات نقدية بديلة وتخفيف الاعتماد الشديد على القنوات المالية الممررة عبر نظام سويفت البنكي الخاضع للرقابة الأمريكية.
وقد تجلت هذه المخاوف بشكل واضح في تصريحات واقتباسات صريحة من صناع القرار والمسؤولين حول العالم، حيث أعربت كريستالينا غورغييفا، المدير العام لصندوق النقد الدولي، في عدة محافل واجتماعات سنوية، عن وجود تحول تدريجي وملحوظ في تشكيلة الاحتياطيات النقدية للبنوك المركزية العالمية بعيداً عن الدولار الأمريكي لصالح عملات غير تقليدية والذهب، مؤكدة أن الهيمنة لن تختفي بين عشية وضحاها ولكن النظام المالي يتجه بوضوح نحو حالة من التعددية النقدية التي تتطلب مرونة أكبر وإدارة مخاطر دقيقة من كافة الدول، وفي المقابل يرى جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، أن قوة الدولار وسيطرته تكمنان في عمق الأسواق المالية الأمريكية وسيادة القانون وشفافية المؤسسات النقدية، مشدداً على أن الدولار يظل الخيار الآمن والموثوق للأغلبية العظمى من المتعاملين في التجارة الدولية رغم التقلبات الجيوسياسية المتصاعدة.
وتتجلى مظاهر تراجع السيطرة المباشرة للدولار في اتجاه العديد من الدول الكبرى إلى استخدام العملات المحلية في التسويات التجارية الثنائية، كشراء الطاقة والسلع بالروبل واليوان والروبية، متجنبين المرور بالمرتكز المالي الواشنطني، فضلاً عن اندفاع البنوك المركزية نحو زيادة مشترياتها من الذهب الخالص إلى مستويات قياسية غير مسبوقة لبناء حائط صد بعيد عن تأثير القرارات السياسية الصادرة من البيت الأبيض، وهذه الخطوات المتسارعة تسهم في تآكل القوة الناعمة التي امتلكتها الولايات المتحدة لعقود، وتجعل وطأة العقوبات الاقتصادية أقل تأثيراً مما كانت عليه في العقود الماضية، حيث تبحث المجتمعات والدول عن تجنب مخاطر الانكشاف المباشر على الأزمات النقدية الخارجية.
وتعكس البيانات والتقارير الصادرة عن البنك الدولي والعديد من المؤسسات المالية الدولية أن عملية زحزحة الدولار عن عرشه ليست بالأمر السهل أو السريع، نظراً لغياب البديل الكامل الشامل الذي يمتلك نفس حجم السيولة والأمان البنيوي الذي توفره الأسواق المالية الأمريكية، فالعديد من المستثمرين والمتداولين يشعرون بالقلق تجاه تذبذب قيمة العملات المحلية الأخرى أو القيود الصارمة المفروضة على حركة رؤوس الأموال في بعض الاقتصادات الكبرى، مما يجعل عملية التخلي التام عن الدولار مجرد سيناريو بعيد المدى، بينما تظل النتيجة الحتمية القائمة حالياً هي نشوء نظام مالي متعدد الأقطاب يعتمد على سلة عملات وأصول متوازنة للحد من الصدمات المتكررة.
إن تراجع الهيمنة المطلقة للدولار الأمريكي ينعكس تلقائياً على اقتصاديات الدول النامية والأفراد، حيث تسبب التقلبات الحادة في قيمة الورقة الخضراء وارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية في موجات غلاء وتضخم تعاني منها الفئات المتوسطة والفقيرة، ويشعر المواطن العادي في مختلف الدول بأن قوة دخله الشرائية تتبدد باستمرار لمجرد اتخاذ قرارات نقدية في واشنطن، مما يجبر المجتمعات على مراعاة حسابات لقمة العيش والبحث عن أساليب مختلفة لحفظ القيمة وتأمين متطلبات الحياة اليومية الشاقة وسط هذه التقلبات الممتدة.
إن صراع الهيمنة النقدية في الوقت الحالي يقدم درساً مهماً لكافة الفاعلين في المشهد الاقتصادي العالمي، وهو أن الاعتماد المطلق على عملة واحدة أو نظام مالي أحادي القطب أصبح مخاطرة عالية التكلفة، وأن المستقبل سيتشكل بناءً على مدى قدرة الدول على تنويع احتياطياتها وتطوير أنظمتها المالية وتأمين مواردها الاستراتيجية، ليبسط النظام الدولي الجديد قواعد أكثر تعقيداً تفرض على الجميع التكيف المستمر لحماية الاستقرار المالي والمجتمعي من تداعيات حروب العملات المتصاعدة.