الحرب بين واشنطن وطهران: كيف تبتلع النزاعات الجيوسياسية ثروات العالم وتغذي موجات التضخم؟
تتجه أنظار المراقبين والمحللين الاقتصاديين عبر مختلف أنحاء العالم ببالغ القلق نحو منطقة الشرق الأوسط، حيث تتصاعد حدة التوترات الجيوسياسية والمواجهات المباشرة وغير المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وهو النزاع الذي لم يعد يقتصر على أبعاده العسكرية والأمنية فقط، بل امتد ليعصف بالمشهد الاقتصادي العالمي، إذ تكتسب هذه المواجهة خطورة مضاعفة في ظل التصريحات الحادة الصادرة من واشنطن وطهران على حد سواء، بينما تؤكد كل جهة حقها المشروع في الرد والدفاع عن مصالحها، مما يضع الأسواق العالمية بأكملها أمام حالة من عدم اليقين المتصاعد.
تُشكل منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز شرياناً رئيسياً لتجارة النفط والغاز العالمية، حيث يمر عبر هذا المضيق نسبة ضخمة من إمدادات البترول المنقولة بحراً في العالم، ومجرد التلويح بإغلاق هذا الممر الحيوي أو استهداف السفن ينعكس فوراً على الأسواق. فالأسواق لا تنتظر وقوع الكارثة بل تتفاعل مسبقاً مع مخاوف انقطاع الإمدادات، وهو ما يرفع تكاليف شحن البضائع وأقساط التأمين البحري على الناقلات إلى أرقام قياسية، متسبباً في موجة غلاء متسلسلة تبدأ من برميل النفط لتصل إلى أسعار السلع الأساسية في المتاجر.
ولا تتوقف مخاطر هذا الصراع عند حدود أسواق الطاقة، بل تمتد لتضرب حركة التجارة العالمية عبر البحر الأحمر وقناة السويس، حيث تضطر شركات الشحن الكبرى إلى تغيير مسارات سفنها والدوران حول قارة إفريقيا عبر طريق رأس الرجاء الصالح، مما يضيف أسابيع طويلة إلى زمن رحلات الشحن ويلتهم أموالاً طائلة في صورة استهلاك إضافي للوقود ورسوم تشغيل مرتفعة، وهذه الزيادات في تكاليف اللوجستيات تُحمل في النهاية على كاهل المستهلك النهائي، مما يعمق أزمة التضخم العالمية، وتجد الدول الناشئة نفسها في قلب هذه العاصفة، حيث تؤدي حالة عدم اليقين إلى هروب رؤوس الأموال الساخنة والمستثمرين نحو الملاذات الآمنة التقليدية مثل الدولار الأمريكي والسندات الحكومية والذهب.
وفي هذا الصدد، أشار أحمد كجوك، وزير المالية المصري، في عدة مناسبات ومحافل اقتصادية، إلى أن التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة تفرض ضغوطاً هائلة وغير متوقعة على الموازنات العامة للدول النامية والناشئة، حيث تتسبب ارتفاعات أسعار النفط والقمح العالمية في زيادة الفاتورة الاستيرادية للدولة وتضخم بنود الدعم المقررة للسلع التموينية والمواد البترولية، وهو ما يتطلب إدارة مالية رشيدة وتحوطاً مستمراً للتعامل مع هذه الصدمات الخارجية القادمة من خلف الحدود. كما يؤكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، أن الحكومة تضع سيناريوهات بديلة وتتابع عن كثب التطورات الجارية لضمان توفير الرصيد الاستراتيجي من السلع الأساسية واستقرار الإمدادات الداخلية، مؤكداً أن الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة هو القاعدة الأساسية لبناء اقتصاد مستدام وحماية مستويات معيشة المواطنين.
إن تأثر المواطن العادي بهذه الحروب النيابية والعسكرية لا يتأخر كثيراً، فبمجرد ارتباك الأسواق العالمية تشهد أسعار الأغذية والسلع المصنعة ارتفاعاً ملموساً نتيجة زيادة تكلفة الطاقة والنقل، ويشعر الفرد بأن مدخرات سنوات طويلة تفقد قيمتها الشرائية أمام موجات الغلاء المتلاحقة، حيث يضطر الناس في مختلف المجتمعات إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق اليومي، وتتأثر القوة الشرائية للأسر بشكل مباشر نتيجة تراجع قيمة العملات المحلية أمام العملات الأجنبية في الفترات التي يسود فيها الاضطراب السياسي، مما يدفع العديد من العائلات إلى البحث عن أساليب مختلفة لحفظ القيمة وتفادي مخاطر انخفاض القوة الشرائية للنقد.
ويتوقع العديد من الخبراء في المؤسسات المالية الدولية أن استمرار حالة النزاع أو توسع نطاق المواجهة العسكرية قد يؤدي إلى سيناريو الركود التضخمي العالمي، وهو الكابوس الأكثر صعوبة بالنسبة لعلماء الاقتصاد، حيث يتزامن تباطؤ النمو الاقتصادي وتراجع معدلات التوظيف مع الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات. وفي مثل هذه الظروف تكون الخيارات المتاحة أمام صناع القرار الاقتصادي ضيقة للغاية ومحفوفة بالمخاطر، إذ إن رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم قد يزيد من خنق النشاط الاقتصادي وتعميق حالة الركود، بينما خفضها لدعم النمو قد يطلق العنان لمزيد من الارتفاعات القياسية في معدلات التضخم وانهيار القوة الشرائية للعملات.
إن الدرس الأساسي الذي تقدمه هذه الحروب والأزمات المتلاحقة للأسواق العالمية والمستثمرين والأفراد هو ضرورة إدراك مدى الترابط الوثيق بين الأحداث الجيوسياسية والتفاصيل اليومية لاقتصاد الأسرة، فالقرارات الساخنة التي تتخذ في غرف العمليات العسكرية وقاعات الدبلوماسية الدولية تترجم فوراً في صورة تغيرات ملموسة في أسعار المواد الخام والوقود والسلع الاستهلاكية، ومن هنا تبرز أهمية بناء اقتصادات مرنة وقوية تعتمد على تنويع مصادر الإنتاج وتعزيز التصنيع المحلي، لتكون بمثابة درع واقٍ يحمي الدول والشعوب من التقلبات الحادة التي تحملها أمواج الحروب والنزاعات الدولية المتلاطمة.