هل تحمي أسعار الذهب اقتصاد البلدان أم تزدهر في أوقات الأزمات؟
شهدت العقود الأخيرة تحولات مالية وهيكلية تجعل التساؤل حول العلاقة بين قوة الاقتصاد وأسعار الذهب واحداً من أكثر المواضيع جذباً للمحللين والمتعاملين في الأسواق المباشرة؛ إذ يرى البعض في الذهب بوصلة تعكس حالة الصحة أو المرض للأنظمة المالية العالمية. الذهب بطبيعته يُصنف في الأدبيات الاقتصادية كـ «أصل غير مدر للتدفقات النقدية»، بمعنى أنه لا يمنح حائزه عوائد دورية كالأرباح المتولدة من أسهم الشركات أو الفوائد السنوية وشبه السنوية الناجمة عن السندات والشهادات البنكية، بل تنحصر قيمته الاستثمارية الكلية في مدى تغير قيمته الرأسمالية في السوق.
بناءً على هذا المفهوم الأساسي، تتشكل علاقة معقدة بين قوة النمو الاقتصادي للبلدان وبين مستويات الإقبال على شراء المعدن الأصفر. حين تشهد الاقتصاديات الكبرى فترات من الاستقرار، والنمو المرتفع، وهبوط معدلات التضخم إلى مستويات آمنة، تميل رؤوس الأموال الفردية والمؤسسية إلى مغادرة حيازة الذهب والتوجّه نحو الأصول الإنتاجية والتجارية التي توفر عوائد تشغيلية دورية، مما يؤدي بالضرورة إلى إضعاف الطلب على الذهب أو كبح جماح ارتفاعاته السعرية.
في المقابل، يبرز الذهب بصفته «الملاذ الآمن» الأول والأبرز كلما تعرضت الأسواق الاقتصادية العالمية لموجات متتالية من عدم اليقين، أو ارتفاع الضغوط التضخمية التي تلتهم القوة الشرائية للعملات الورقية. أشار التحليل الصادر عن صحيفة «فاينانشال تايمز» الدولية إلى أن سلوك البنوك المركزية حول العالم شهد تحولاً هيكلياً بنهاية العقد الحالي؛ حيث اتجهت المؤسسات النقدية الكبرى لزيادة حيازاتها من الأونصات الذهبية لتقليل الاعتماد المباشر على العملات الورقية الأجنبية في أوقات التوترات الجيوسياسية وتعثر سلاسل الإمداد العالمية.
على الصعيد المحلي، تؤكد البيانات الصادرة عن وزارة المالية أن استقرار الأداء الاقتصادي ورفع معدلات الإنتاج والتشغيل يمثلان ركيزة أساسية لمنح العملة الوطنية القوة اللازمة أمام التقلبات. وفي هذا السياق، صرح الأستاذ أحمد كجوك، وزير المالية، في مناسبات اقتصادية متعددة، بأن الأولويات المباشرة للحكومة تستهدف دعم المبادرات الصناعية والتصديرية لكبح جماح التضخم المحلي، مشيراً إلى أن تحسين البيئة الاستثمارية وزيادة الإنتاجية يمثلان المسار الناجع لاستعادة التوازن المالي وتخفيف الضغط المستمر على الأسواق الاستهلاكية والملاذات غير الإنتاجية.
تكتمل صورة هذه العلاقة المتشابكة حين نطالع قراءة البنك المركزي المصري للوضع المالي والتضخمي؛ فقد أوضح الأستاذ حسن عبدالله، محافظ البنك المركزي المصري، في اجتماعات لجنة السياسة النقدية، أن البنك يسعى جاهداً لاستخدام كافة أدواته النقدية للسيطرة على توقعات التضخم واحتواء الضغوط السعرية، مؤكداً أن هدف السياسة النقدية هو الوصول إلى عوائد حقيقية تفوق معدلات ارتفاع الأسعار للحفاظ على القوة الشرائية لمدخرات المواطنين في القطاع المصرفي.
بالنظر إلى سلوك المستثمر في السوق المصري، نجد أن الثقافة المالية السائدة تنظر إلى الذهب ليس فقط كأداة مالية جافة تحكمها حسابات الربح والخسارة اليومية، بل كجزء من الموروث الثقافي الاجتماعي الذي يمنح الأسر شعوراً بالأمان والقدرة على مواجهة أزمات الحياة الطارئة. أكد المهندس هاني ميلاد، رئيس الشعبة العامة للذهب بالمجلس الأعلى للغرف التجارية، في تصريحات صحفية وإعلامية، أن الذهب أثبت عبر كافة العقود السابقة أنه المستودع الأهم للقيمة على المدى الطويل.
تؤكد التحليلات الاقتصادية التي نشرتها صحيفة «وول ستريت جورنال» أن العلاقة بين قوة الاقتصاد والذهب ليست علاقة حتمية مبسطة، بل هي محصلة لعدة تفاعلات تتضمن أسعار الفائدة الحقيقية، والسياسات النقدية للبنوك المركزية الكبرى، ومستويات الديون السيادية العالمية. حينما ترفع البنوك المركزية أسعار الفائدة لمستويات عالية تفوق التضخم، تتزايد تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب. ولكن حين تتعثر النمو الاقتصاديات وتضطر السلطات النقدية لتخفيض الفائدة أو ضخ السيولة لمواجهة الركود، تعود الأضواء بقوة إلى الذهب بصفته الأصل الوحيد الذي لا يرتبط بوفاء طرف آخر أو بإفلاس مؤسسة مالية.
ينتهي المتابع لمجمل هذه التطورات إلى أن الذهب والاقتصاد القوي يتحركان ككفتي ميزان في وعي الأسواق المالية؛ قوة الاقتصاد واستقراره وقدرته على توليد عوائد حقيقية للمستثمرين تدفع السيولة نحو البناء والتصنيع والخدمات، بينما يظل الذهب الحارس الأمين الذي ينتظر في الخلفية ليتصدر المشهد في كل مرة تتزلزل فيها ثقة الأسواق في العملات الورقية.