في كل بيت مصري، ومن على مقاهي وسط البلد إلى جلسات العائلات في مختلف المحافظات، يتكرر سؤال واحد أصبح بمثابة «الشيء الذي يشغل بال الجميع»: أين نضع ما تبقى من مدخراتنا؟ هل نشتري الذهب الذي لطالما كان «الملاذ الآمن» وزينة وحلياً للأسر عبر العقود، أم نتمسك بالدولار الذي يمثل العمود الفقري للتجارة العالمية وسعر الصرف؟

المرور بالظروف الاقتصادية والتقلبات المتسارعة جعل القرار المالي للمواطن العادي، وليس فقط لرجال الأعمال، امتحاناً يومياً يتطلب دراسة واعية. فالهدف لم يعد تحقيق أرباح طائلة، بل حماية «قرشين العمر» من التآكل بفعل التضخم وتراجع القوة الشرائية للعملات.

سبائك ذهب مرتبة
Photo by Scottsdale Mint on Unsplash

لطالما ارتبط الذهب بالثقافة المصرية كأفضل وسيلة لحفظ الثروة. فالأسر لا تراه مجرد أداة مالية، بل أمان لمواجهة تقلبات الزمن. وفي تحليل نشرته صحيفة فاينانشال تايمز العالمية، أشار المحللون إلى أن الطلب على المعدن الأصفر في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يشهد استقراراً مرتفعاً نتيجة التوترات الجيوسياسية المستمرة، مما يجعل المعدن النفيس الملاذ الأفضل في التحوط ضد المخاطر الشديدة.

الذهب أثبت تاريخياً قدرته على الارتفاع وتجاوز معدلات التضخم، حيث يرتفع سعره عالمياً كلما زادت المخاطر السياسية أو الاقتصادية. ومن مميزاته أيضاً أنه يمكن تحويله إلى نقد في أي وقت ومن أي مكان في العالم بسهولة مطلقة.

على الجانب الآخر، يحذر خبراء الاقتصاد من نقطة حاسمة، وهي «فارق الصاغة» أو المصنعية. فإذا قمت بشراء مجوهرات أو مصاغ، فإنك تفقد جزءاً غير قليل من قيمتها عند البيع (يتراوح بين 6% إلى 12% أحياناً). لذلك يوصي المتخصصون دائماً بضرورة الاقتصار على «السبائك» و«الجنيهات الذهب» ذات المصنعية المنخفضة والمستردة جزئياً (الكاش باك).

على الجانب الآخر، يمثل الدولار الأمريكي الخيار المفضل لمن يبحثون عن مرونة عالية وسرعة في الحركة. وبحسب تقارير صحيفة وول ستريت جورنال، فإن الدولار يظل العمدة في الأسواق الناشئة، حيث يستمد قوته من كونه عملة الاحتياطي الدولي الأولى والتسعير العالمي للسلع الأساسية كالنفط والقمح.

يوفر الدولار قدرة فورية على تنفيذ التجارة أو الاستيراد أو السفر دون الحاجة للمرور بعمليات تحويل متعددة. وغالباً ما ترتفع العملة الأمريكية عندما ترتفع أسعار الفائدة في الفيدرالي الأمريكي أو تشتعل الأزمات الاقتصادية العالمية.

على العكس من الذهب، الدولار لا يدر عائداً بنفسه إلا إذا تم وضعه في أوعية ادخارية بنكية دولية. كما أن القوة الشرائية للدولار نفسه تتأثر بالتضخم الأمريكي الداخلي، فضلاً عن أن التغيرات في السياسات النقدية المحلية قد تؤدي لثبات سعره لفترات طويلة.

وفي هذا السياق، تشير تقديرات شركة إي إف چي هيرميس، أحد أكبر بيوت الاستثمار في مصر والمنطقة، إلى أن استمرار انضباط السياسة النقدية وتراجع معدل التضخم السنوي تدريجياً يمنحان المدخرين هامشاً أكبر من الثقة في أدوات الادخار بالجنيه، دون أن يعني ذلك تراجع الجاذبية التاريخية للذهب كأداة تحوط أساسية، خصوصاً لدى الأسر التي تدخر لآجال تتجاوز الثلاث سنوات.

من جانبه، أوضح هاني ميلاد، رئيس الشعبة العامة للذهب بالمجلس الأعلى للغرف التجارية، أن الذهب لم يكن يوماً أداة للمضاربة السريعة أو «المكسب السريع»، بل هو «مخزن للقيمة» لسنوات عديدة. وأضاف في تصريحات تلفزيونية: «من يشتري الذهب لبيعه بعد شهور قليلة قد يتعرض لخسارة بسبب الفوارق والمصنعيات، لكن من يحتفظ به لمدة عامين أو أكثر سيكتشف أنه الحامي الأول لمدخراته».

يتفق أطباء المال وخبراء الاستثمار على أن السؤال ليس «أي الاستثمارين أفضل بشكل مطلق؟»، بل «كيف تقسم أدواتك المالية بحسب أهدافك الشخصية؟».

إذا كنت بحاجة إلى سيولة مالية قريبة خلال شهرين أو ثلاثة، فإن الاحتفاظ بالسيولة النقدية أو الأوعية الادخارية المباشرة هو الخيار الأنسب. أما إذا كنت تدخر لمستقبل الأبناء أو لخطط ممتدة لأعوام، فإن الذهب يتربع على العرش.

توصي المحافظ الاستثمارية الناجحة بما يلي:

  • 40% في الذهب (سبائك وجنيهات): للتحوط طويل الأجل.
  • 40% في أصول نقدية أجنبية أو أدوات عالية السيولة: لمواجهة أي ظروف طارئة وتوفير مرونة الحركة.
  • 20% في أوعية ادخارية بنكية: للاستفادة من الفوائد الدورية المنتظمة.