توقعات أسعار الذهب حتى نهاية 2026: إلى أين يتجه المعدن الأصفر بعد عام من الجنون؟
لو سألت أي متابع لسوق الذهب عن أكثر كلمة تصف عام 2026 حتى الآن، فربما لن يتردد كثيرًا قبل أن يقول: «جنون». فالمعدن الأصفر كسر كل الأرقام القياسية في تاريخه الحديث، ثم انقلب عليها في غضون أيام معدودة. وبحلول أوائل أغسطس 2026، كانت الأوقية تتداول عند مستويات تقترب من 4070 إلى 4080 دولارًا، وفقًا لبيانات منصات تداول عالمية مثل جيه إم بوليون وتريدينج إيكونوميكس، أي أدنى بنحو 27% من الذروة التي سجلتها في يناير الماضي.
الذاكرة القريبة لا تزال حاضرة بقوة. ففي يناير 2026، تخطى الذهب حاجز الـ5000 دولار للمرة الأولى في تاريخه، ليواصل صعوده حتى سجل رقمًا قياسيًا داخل اليوم عند 5597.23 دولارًا في التاسع والعشرين من الشهر نفسه. لكن الفرحة لم تدم طويلاً؛ فخلال جلستين فقط، فقد المعدن النفيس نحو 1200 دولار من قيمته، في أعنف تراجع خلال يومين يشهده منذ عام 1983 بحسب تقارير متداولة استندت إلى بيانات رويترز. ومنذ ذلك الحين، دخل الذهب في نطاق تذبذب واسع، صعودًا وهبوطًا، تاركًا المستثمرين وصناع القرار في حالة ترقب دائم لما تبقى من العام.
السؤال الذي يشغل الجميع الآن ليس ما حدث، بل ما الذي يمكن توقعه حتى نهاية 2026. وهنا يصبح استطلاع رويترز الفصلي لآراء المحللين وشركات التداول أحد أكثر المقاييس التي يعتمد عليها السوق تقليديًا. ففي استطلاع أجري في أبريل 2026 وشمل واحدًا وثلاثين محللاً ومتداولاً، ارتفع متوسط توقعات سعر الذهب لعام 2026 إلى نحو 4916 دولارًا للأوقية، مقارنة بـ4746.5 دولارًا في الاستطلاع السابق قبل ثلاثة أشهر فقط، وهو أعلى متوسط سنوي تسجله استطلاعات رويترز منذ أن بدأت تتبع هذا السوق عام 2012.
أما على مستوى البنوك الاستثمارية الكبرى، فلا يوجد إجماع، بل تباين واسع يعكس حجم عدم اليقين المحيط بالسوق حاليًا. بنك جولدمان ساكس يضع هدفًا سعريًا يقترب من 5400 دولار للأوقية بنهاية العام، وهو رقم عدّله البنك أكثر من مرة خلال 2026 مع كل تطور جديد في بيانات التضخم وقرارات الفائدة الأمريكية. أما جي بي مورجان، فيذهب أبعد من ذلك في أبحاثه الرسمية المنشورة على موقعه، متوقعًا أن يصل الذهب إلى نحو 6000 دولار بنهاية العام، مع احتمال الوصول إلى 6300 دولار خلال 2027. لكن الأبحاث نفسها تحرص على التنويه إلى أن هذا السيناريو مرهون بمسار قرارات الفيدرالي الأمريكي ومآلات النزاعات الجيوسياسية القائمة، وكلاهما غير مؤكد حتى كتابة هذه السطور.
بنك UBS السويسري يتبنى نبرة أكثر حذرًا في تصريحاته الأخيرة، إذ يصف السوق بأن الاتجاه الصاعد الهيكلي لا يزال قائمًا في جوهره، لكنه يدعو المستثمرين إلى مزيد من الصبر في ظل ارتفاع العائد الحقيقي على السندات الأمريكية، وهو عامل يقلل من جاذبية أصل لا يدر عائدًا دوريًا مثل الذهب. ويستند البنك في نظرته الإيجابية طويلة المدى إلى استمرار شراء البنوك المركزية للمعدن الأصفر بمعدل يتراوح بين 750 و1000 طن سنويًا، وهو رقم ضخم يعكس توجه دول عديدة، خاصة في الأسواق الناشئة، إلى تنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار الأمريكي.
أما مجلس الذهب العالمي، وهو الهيئة الصناعية الأكثر إلمامًا ببيانات العرض والطلب الفعلية في السوق، فيتجنب عادة تحديد رقم واحد قاطع. ويفضل المجلس في تقريره السنوي حول توقعات الذهب تقديم سيناريوهات احتمالية متعددة: من تباطؤ اقتصادي معتدل إلى تصاعد في التوترات الجيوسياسية، لكل سيناريو أثره الخاص على الطلب الاستثماري وطلب المجوهرات وشراء البنوك المركزية. وهذا النهج بحد ذاته رسالة مهمة لأي قارئ: حتى أكثر المؤسسات دراية بالسوق لا تدّعي معرفة رقم دقيق لما ستؤول إليه الأسعار.
وما يفسر هذا التشتت الكبير في التوقعات، من نطاق تصحيحي يقترب من 4000 دولار عند بعض البيوت الأكثر تحفظًا، إلى سيناريوهات متطرفة تتحدث عن نطاق يتجاوز 8700 دولار عند تحليلات أكثر جرأة، هو ببساطة أن السوق يتحرك الآن بمحركين متعارضين في آن واحد. فمن ناحية، هناك عوامل داعمة بنيويًا: عجز مالي أمريكي متصاعد، ومخاوف متجددة بشأن استقلالية الفيدرالي، وشراء قياسي من البنوك المركزية. ومن ناحية أخرى، هناك عوامل ضاغطة قصيرة المدى: تباطؤ تدفقات صناديق التداول المتخصصة في الذهب، وتراجع احتمالات خفض الفائدة الأمريكية في أوقات معينة من العام، ما يرفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بأصل لا يدر فائدة دورية.
ولمن يشك في مدى ارتباط الذهب بالأخبار السياسية اليومية، يكفي النظر إلى ما جرى في الأسبوع الأول من أغسطس الجاري. صعد سعر الأوقية إلى نحو 4080 دولارًا بعدما أشار وزير الخزانة الأمريكي إلى احتمال التوصل قريبًا إلى اتفاق يتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز، فيما تراجعت احتمالات رفع الفائدة الأمريكية في سبتمبر إلى نحو 57% وفق تسعير الأسواق. تفاصيل دبلوماسية من هذا النوع قادرة على تحريك مليارات الدولارات في سوق الذهب خلال ساعات معدودة، وهو ما يفسر جزئيًا لماذا تعجز حتى أكبر بيوت الاستثمار في العالم عن الجزم برقم واحد نهائي.
على المستوى المحلي، يرى المهندس هاني ميلاد، رئيس الشعبة العامة للذهب والمجوهرات باتحاد الغرف التجارية المصرية، أن التراجعات التي شهدها الذهب مؤخرًا لا تعني نهاية الموجة الصعودية. ويوضح ميلاد أن المعدن النفيس يتحرك تاريخيًا وفق دورات من الارتفاع والتصحيح، وأن فترات الهبوط تمثل عادة فرصة أفضل للشراء بالنسبة لمن يخطط للاستثمار طويل الأجل. وتوقع ميلاد في تصريحات محلية حديثة زيادات جديدة في الأسعار مع نهاية 2026 أو مطلع 2027، مشيرًا إلى أن سعر عيار 21 في السوق المصرية يقترب حاليًا من 6 آلاف جنيه للجرام، وأن حركة السوق المحلي تظل مرتبطة بالعوامل الخارجية العالمية أكثر من ارتباطها بأي عوامل محلية بحتة.
الخلاصة العملية لأي شخص يتابع هذه الأرقام بحثًا عن قرار بشأن مدخراته، ليست البحث عن الرقم الصحيح بين كل هذه التوقعات المتضاربة. فلا أحد، لا جولدمان ساكس ولا جي بي مورجان ولا حتى مجلس الذهب العالمي نفسه، يملك كرة بلورية دقيقة. الأقرب للصواب هو التعامل مع هذه التوقعات كنطاق احتمالات لا كوعد مؤكد، مع تذكر أن الفارق بين سعر البيع والشراء، وتكلفة المصنعية عند شراء المشغولات بدلًا من السبائك أو الجنيهات الذهبية، يظل عاملاً حاسمًا في تحديد ما إذا كانت الصفقة مربحة فعليًا أم لا، بصرف النظر عن اتجاه السوق العالمي.
ويبقى الدرس الأبرز مما جرى خلال 2026 أن التقلب الحاد أصبح سمة أساسية لهذا السوق، لا استثناءً عابرًا. فمن يخطط للاحتفاظ بالذهب لأشهر قليلة فقط قد يجد نفسه عرضة لتقلبات حادة كتلك التي شهدها يناير وفبراير الماضيان. أما من يخطط لأفق زمني أطول، فالتاريخ الطويل للمعدن الأصفر كمخزن للقيمة يظل حجة يصعب تجاهلها، حتى لو اختلفت أكبر البنوك في العالم فيما بينها على الرقم بالضبط.