لماذا تكدّس البنوك المركزية الذهب بمعدل غير مسبوق؟ داخل استراتيجية الهروب من الدولار
في فبراير 2022، جمّدت الدول الغربية نحو 300 مليار دولار من احتياطيات روسيا الأجنبية بقرار سياسي واحد، خلال أيام معدودة من بدء الغزو الروسي لأوكرانيا. لم يكن هذا مجرد عقاب اقتصادي لدولة بعينها، بل رسالة وصلت بوضوح إلى كل بنك مركزي في العالم يحتفظ بجزء كبير من احتياطياته على شكل سندات وودائع دولارية مودعة خارج حدوده: هذه الأصول يمكن تجميدها بقرار سياسي في أي لحظة، بينما لا يمكن لأحد أن يجمّد ذهبًا مخزنًا فعليًا داخل خزائنك أنت. هذه اللحظة تحديدًا، بحسب محللين ماليين عديدين، هي التي أعادت تشكيل طريقة تفكير أكبر مؤسسات العالم المالية في إدارة مخاطر العملة.
النتيجة كانت واضحة في الأرقام: تضاعف معدل شراء البنوك المركزية للذهب تقريبًا بعد 2021، ليصل إلى نحو 1000 طن سنويًا لأربع سنوات متتالية، مقارنة بمتوسط لم يتجاوز 500 طن سنويًا خلال العقد الذي سبقه، بحسب بيانات مجلس الذهب العالمي. وفي الربع الأول من 2026 وحده، بلغت مشتريات البنوك المركزية الصافية نحو 244 طنًا، متجاوزة كلاً من الربع السابق والمتوسط الخماسي للفترة نفسها، رغم أن هذه الفترة شهدت أيضًا تصاعدًا في التوترات المرتبطة بالصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
الأهم من حجم الشراء نفسه هو ما يكشفه استطلاع مجلس الذهب العالمي السنوي لمديري الاحتياطيات، الذي شمل هذا العام 76 بنكًا مركزيًا، وهو أعلى معدل مشاركة في تاريخ الاستطلاع منذ انطلاقه، مقارنة بـ73 بنكًا العام الماضي، مع الإشارة إلى أن غالبية الردود وردت بعد بداية الصراع في الشرق الأوسط تحديدًا. أظهر الاستطلاع أن 89% من مديري الاحتياطيات يتوقعون استمرار ارتفاع احتياطيات الذهب العالمية خلال الأشهر الاثني عشر القادمة، وأن نسبة قياسية بلغت 45% تخطط لزيادة احتياطي بنكها هي تحديدًا من الذهب خلال العام نفسه، وهي أعلى نسبة تسجَّل في تاريخ هذا الاستطلاع.
لكن الأكثر إثارة للاهتمام من الناحية «الهندسية» هو كيف تُموَّل عمليات الشراء هذه فعليًا، لأن الآلية تكشف مدى جدية هذا التوجه. فبحسب الاستطلاع نفسه، يموّل نصف البنوك المركزية التي تشتري ذهبًا هذه العمليات عبر برامج شراء محلية، أي شراء الذهب من داخل حدودها والدفع بعملتها المحلية مباشرة، دون المرور بأسواق الصرف الأجنبي إطلاقًا، ما يعني بناء احتياطي وطني دون إنفاق أي عملة صعبة على الإطلاق. أما نحو 38% من البنوك الأخرى، فتموّل مشترياتها عبر بيع أصول احتياطية أخرى، وهو ما يعني عمليًا، في كثير من الحالات، مبادلة دولارات باحتياطي من الذهب مباشرة.
هذا التوجه لا يقتصر على الشراء فقط، بل يمتد إلى إعادة التفكير في مكان تخزين الذهب نفسه. فبحسب الاستطلاع، رفعت 9% من البنوك المركزية نسبة تخزينها المحلي للذهب خلال العام الماضي، مقارنة بـ5% فقط في العام السابق، بينما نوّعت 10% أخرى مواقع تخزينها الخارجية، ارتفاعًا من 2% فقط قبل عام. جيوفاني ستاونوفو، محلل السلع في بنك UBS، وصف هذا التوجه بوضوح في تصريحات سابقة، قائلاً إن الخوف من عدم القدرة على الوصول لأصول مخزنة في الخارج هو ما يدفع موجة إعادة توطين الذهب منذ 2022 تحديدًا.
أمثلة محددة توضح حجم هذا التوجه على أرض الواقع: أضاف البنك المركزي التركي 45 طنًا من الذهب في يناير 2026 وحده، ليرفع احتياطيه إلى 565 طنًا، في خطوة وصفتها تقارير مالية بأنها تحوط مباشر ضد استمرار تراجع قيمة الليرة التركية. كما أضاف البنك المركزي الصيني 225 طنًا خلال 2025، فيما صرّح محافظ البنك، يي قانغ، في وقت سابق بأن «الذهب يعزز استقرار الاحتياطي في بيئة عالمية غير مؤكدة». وعلى الجانب الآخر تمامًا من الاستخدام، لا يكتفي بنك إنجلترا، الذي يحتفظ بنحو 310 طن من الذهب، بتخزينه فقط، بل يستخدمه فعليًا في عمليات مبادلة (Swaps) مع مؤسسات مالية أخرى لتوفير سيولة قصيرة الأجل، في مثال واضح على كيف يتحول الذهب من مجرد احتياطي ساكن إلى أداة مالية نشطة فعليًا داخل الهندسة المؤسسية لإدارة السيولة.
الدافع الأعمق وراء كل هذا ليس مجرد رد فعل على حدث واحد، بل قلق هيكلي أوسع بشأن الدين العام العالمي، الذي تجاوز 353 تريليون دولار بنهاية الربع الأول من 2026، أي أكثر من ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي العالمي مجتمعًا، مع بلوغ حصة الحكومات من هذا الدين مستوى قياسيًا عند 31%. في هذه البيئة، ينظر كثير من مديري الاحتياطيات إلى الذهب كتحوط ضد تآكل قيمة العملات نتيجة تراكم الديون، لا فقط كملاذ آمن وقت الأزمات العابرة.
وربما يكون الرقم الأكثر دلالة على اتساع هذا التحول أن 74% من مديري الاحتياطيات المشاركين في الاستطلاع يتوقعون تراجعًا معتدلًا أو كبيرًا في حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة. لم يعد هذا رأيًا هامشيًا يتبناه عدد محدود من الدول المتوترة سياسيًا مع واشنطن، بل أصبح قريبًا من إجماع مؤسسي عريض، تحوّل فيه الذهب تدريجيًا من مجرد أصل احتياطي كلاسيكي إلى ما يشبه أداة هندسة مالية متكاملة لإدارة مخاطر العملة على أعلى مستوى مؤسسي في العالم.
تجدر الإشارة إلى أن هذا التحول ليس حكرًا على البنوك المركزية للدول الكبرى فقط. فبيانات صندوق النقد الدولي تظهر أن حصة الأسواق الناشئة تحديدًا من إجمالي احتياطيات الذهب العالمية ارتفعت إلى نحو 25% حاليًا، مقارنة بـ15% فقط في عام 2010، بينما لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بأكبر احتياطي ذهب في العالم عند نحو 8133 طنًا، ضمن احتياطي عالمي إجمالي يقارب 35 ألف طن موزعة على البنوك المركزية حول العالم. هذا الاتساع الجغرافي للتوجه، من موسكو وبكين وأنقرة إلى عواصم أصغر في آسيا الوسطى والشرق الأوسط، يعكس أن إعادة التموضع بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الدولار لم تعد استراتيجية معزولة لدولة أو دولتين، بل نمطًا مؤسسيًا متكررًا عبر مناطق جغرافية وأنظمة سياسية مختلفة تمامًا عن بعضها.