ما بعد الذهب والدولار: أين تضع أموالك لحمايتها من التضخم وتحقيق عوائد مجزية؟
يواجه المدخرون والمستثمرون في مختلف الأوقات تحدياً كبيراً يتمثل في كيفية الحفاظ على القيمة الحقيقية لأموالهم وحمايتها من التآكل التدريجي الناجم عن ارتفاع معدلات التضخم وزيادة أسعار السلع والخدمات، وعلى الرغم من أن الذهب والدولار الأمريكي يظلان الخيارين الأكثر شهرة وانتشاراً بين عامة الناس للتحوط ضد انخفاض القوة الشرائية، إلا أن التركيز عليهما فقط يحرم أصحاب رؤوس الأموال من فرص استثمارية أخرى متوفرة في السوق تقدم عوائد دورية ممتازة وتساهم في تنمية الثروة وتدوير عجلة الاقتصاد الحقيقي بشكل أكثر فاعلية واستدامة.
ويأتي القطاع العقاري في مقدمة البدائل التقليدية والقوية التي أثبتت جدارتها على مر العقود في السوق المصرية كأصل ثابت يحافظ على قيمته وينمو مع مرور الوقت، إذ يُعد شراء العقارات بمختلف أنواعها السكنية والتجارية والإدارية وسيلة ممتازة لتحقيق هدفين في وقت واحد: الأول هو نمو رأس المال نتيجة الارتفاع المستمر في أسعار العقارات والأراضي، والثاني هو الحصول على دخل دوري ومنتظم من خلال الإيجارات، ولعلاج مشكلة حاجة العقار المباشر لرؤوس أموال ضخمة وصعوبة تسييله فوراً، ظهرت صناديق الاستثمار العقاري التي تتيح للمستثمر الصغير والمستثمر الكبير شراء وحدات وأسهم في محفظة عقارية مدارة باحترافية دون الحاجة لشراء عقار كامل بملايين الجنيهات.
وللراغبين في تحقيق عوائد مرتفعة مع قبول نسبة معتدلة من المخاطرة، برزت البورصة المصرية وأسهم الشركات المقيدة فيها كبديل استثماري واعد جداً لحماية الأموال من التضخم، فشراء أسهم في شركات ناجحة تمتلك أصولاً حقيقية وتصدر منتجاتها للخارج أو تقدم خدمات أساسية يضمن للمستثمر زيادة قيمة استثماراته بالتوازي مع التضخم، فضلاً عن الحصول على توزيعات أرباح سنوية ونصف سنوية مجزية، ويؤكد العديد من الخبراء أن الاستثمار طويل الأجل في أسهم شركات التوزيعات والقطاعات الواعدة كالأغذية والدواء والتكنولوجيا يمنح عوائد تتفوق في كثير من الأحيان على العائد المباشر المتاح من الاكتناز الثابت في الذهب أو الاحتفاظ بالعملات الأجنبية المحتكرة.
وفي هذا السياق الاستثماري، يؤكد أحمد كجوك، وزير المالية المصري، أن الدولة حرصت على إصدار أدوات دين حكومية متنوعة ومتاحة للأفراد والمؤسسات مثل أذون وسندات الخزينة التي تقدم عوائد مجزية تنافسية، مشيراً إلى أن تنوع الأدوات المالية والعمل على تنشيط سوق الأوراق المالية يساهم في جذب المدخرات الوطنية وتوجيهها نحو تمويل الاستثمارات العامة والمشاريع التنموية التي تخلق فرص عمل حقيقية وتدعم الناتج المحلي الإجمالي، كما يوضح الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، أن تشجيع الاستثمار المحلي الخاص وتوفير بيئة أعمال جاذبة ومستقرة يمثلان الأولوية القصوى للحكومة لخلق اقتصاد متنوع قادر على مواجهة تحديات التضخم العالمي وضمان تحقيق معدلات نمو إيجابية ومستدامة.
ولا يمكن إغفال دور أدوات الدخل الثابت والمتمثلة في شهادات الاستثمار البنكية وصناديق الاستثمار النقدية وصناديق الدخل الثابت التي تشرف عليها البنوك الوطنية بتوجيهات من الأستاذ حسن عبدالله، محافظ البنك المركزي المصري، حيث توفر هذه الأدوات ملاذاً آمناً جداً لأصحاب الفكر المحافظ الذين يبحثون عن عائد دوري مضمون وبدون أي مخاطرة برأس المال، وتساعد هذه الشهادات والصناديق الفئات التي تعتمد على العوائد الشهرية لتغطية مصاريف المعيشة اليومية، وتوفر لهم السيولة الكافية لتلبية احتياجاتهم دون الحاجة إلى بيع الأصول في أوقات غير مناسبة أو التعرض لتقلبات أسعار الأسواق المفتوحة.
كما تبرز المشروعات الإنتاجية والتجارية الصغيرة والمشاركة في تأسيس الورش والمصانع كبديل حيوي وفعال للاستثمار الحقيقي الذي يخلق قيمة مضافة في المجتمع، فبدلاً من ترك الأموال مركونة في الحسابات أو اكتناز المقتنيات، يمكن توجيه هذه المدخرات نحو أنشطة تولد أرباحاً تشغيلية وتوفر خدمات ومنتجات يحتاجها السوق المحلي، مع مراعاة دراسة الجدوى وتوزيع المخاطر بعناية لضمان نجاح المشروع واستمراريته في ظل الظروف الاقتصادية المتغيرة، ويتطلب هذا النوع من الاستثمار متابعة مستمرة وإدارة واعية لتحويل مدخرات سنوات العمل إلى مشروع ناجح يدر رزقاً مستمراً.
إن القاعدة الذهبية التي يجمع عليها كافة المستشارين والخبراء الماليين تلخص في أهمية عدم وضع البيض كله في سلة واحدة، فالتنوع الاستثماري الذكي الذي يوزع الأموال بين أصول عقارية، وأسهم في البورصة، وأدوات دخل ثابت، وأنشطة تجارية، هو السبيل الوحيد لبناء محفظة مالية متوازنة وقادرة على الصمود أمام التضخم والتقلبات الاقتصادية، بما يضمن صيانة القوة الشرائية للأموال وتحقيق تطلعات المستثمر في تأمين مستقبله ومستقبل أسرته بعيداً عن حصر الخيارات في الذهب والدولار فقط.